xmlns:v="urn:schemas-microsoft-com:vml" xmlns:o="urn:schemas-microsoft-com:office:office" xmlns="http://www.w3.org/TR/REC-html40"> دخول العلماء على الحكام، والاختلاط بهم، وأخذ جوائزهم
Make your own free website on Tripod.com

                                                     

الجمعية الشرعية لكفالة الطفل اليتيم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا وكافل اليتيم فى الجنه كهاتين وأشار بالسبابه والوسطى" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

الاسلام هو الحل


ركن النصيحة

ركن الذكرى

ركن الاسرة

ركن السلوك

ركن الدعوة

ركن العبادات

ركن العقائد

ركن الفتوى

ركن العبر والعظات

ركن المعاملات

لقاء الاحبة

الاربعون النووية

اصدقاء الموقع

إذاعة القرآن الكريم

قالوا وقلنا

اعلن عن موقعك معنا

مواقع تهمك

الاستاذ عمروخالد
جريدة افاق عربية
دليل وفاتورة التليفون
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ركن الدعوة

 

دخول العلماء على الحكام، والاختلاط بهم، وأخذ جوائزهم
"شر الأمراء أبعدهم عن العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء"

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

العلماء كثير والحكماء قليل

مذاهب أهل العلم المقتدى بهم في الدخول على الحكام، ومخالطتهم، وأخذ جوائزهم

أولاً : من أبى الدخول، ومنعه، وذمه، وعابه، ونصح الداخلين وهجرهم

أشد العلماء في ذلك

ثانياً : من أجاز الدخول، والمخالطة، وأخذ الجوائز

نماذج لمناصحة العلماء لمن كانوا يداخلون من الحكام

عطاء بن أبي رباح رحمه الله ينصح عبد الملك بن مروان رحمه الله

ابن أبي ذئب ينصح المهدي وأبا جعفر المنصور رحمهم الله

عمر بن حزم ينصح معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه

الحسن البصري

حيوية بن شريح رحمه الله

مالك بن أنس رحمه الله ، يُنصح في دخوله على الحكام ، ويناصح الحكام

والخلاصة

 

الحمد لله مبتدئ النعم، بارئ النسم، ناشر الرِّقم، رازق الخلق من عدم، علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله وسلم وبارك على أعلم الخلق أجمعين، المبعوث رحمة للعالمين، وكيداً للكافرين والمنافقين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد..

فإن السؤدد الحق، والإكرام الجد ، والفضل الممتد، هو ما كان سببه الدين والعلم والتقوى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فالأتقياء من العلماء والصلحاء هم الكرماء في الدنيا والآخرة، والفجار الجهلاء من الأغنياء والفقراء هم الأذلاء.

حج معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في بعض حجاته، فابتنى بالأبطح مجلساً، فجلس عليه، معه زوجته ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل، فإذا هو بجماعة على رحال لهم، وإذا شاب قد رفع عقيرته يغني:

     وأنا الأخضــر من يعرفني                  أخضر الجلدة من  بيت العرب

     من يساجلني يساجـل ماجداً                  يملأ الدلو على عقد الكــرب

فقال معاوية: من هذا؟ فقالوا: فلان بن جعفر بن أبي طالب. قال: خلوا له الطريق فليذهب. ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يغني:

    بينما يذكرنني أبصـرنني  عند                  قيد الميــل يسعى بين الأغر

    قلن : تعرفن الفتى ؟ قلن : نعم                   قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟

قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة. قال: خلوا له الطريق فليذهب. ثم إذا هو بجماعة حول رجل يسألونه، فبعضهم يقول: رميت قبل أن أحلق، وبعضهم يقول: حلقت قبل أن أرمي، يسألونه عن أشياء أشكلت عليهم من مناسك الحج. فقال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فالتفت إلى زوجته ابنة قرظة، فقال: هذا وأبيك الشرف، هذا والله شرف الدنيا والآخرة).

وقال ابن عبد البر: (قال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيد أهل البصرة؟ قال له: الحسن. فقال: وكيف ذلك وهو مولى؟ فقال: احتاج الناس إليه في دينهم واستغنى عنهم في دنياهم، وما رأيت أحداً من أشراف أهل البصرة إلا يروم الوصول في حلقته ليستمع قوله ، ويكتب علمه. فقال الحجاج: هذا والله السؤدد).

خير القرون الذين كان علماؤهم حكامهم، ويليهم في الفضل من كان مستشارى، ووزراء،  وجلساء حكامهم، علماؤهم، وشر القرون الذين يكون حكامهم "فرعونية"، ومستشاروهم "هامانية"، وجلساؤهم "قارونية".

لهذا فقد جاء في الأثر: "صنفان من الأمة إذا صلحا صلح الناس : الأمراء والفقهاء"، وفي رواية: "صنفان من الأمة إذا صلحا صلحت الأمة، وإذا فسدا فسدت الأمة: السلطان والعلماء".

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكـر لم يعنه".

لهذا كان القراء، أي العلماء، وزراء ومستشاري وجلساء عمر رضي الله عنه، كهـولاً كانوا أوشباباً، وكان مستشارو عمر بن عبد العزيز رجاء بن حيوة، ومحمد بن شهاب الزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، رحم الله الجميع.

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

لقد فضل الله العلماء وشرفهم ورفعهم مكاناً علياً، ويدل على هذا الفضل وذلك التشريف أنه قرن شهادتهم على وحدانيته بشهادته وشهادة ملائكته، فقال: "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم"، وقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وقل رب زدني علما"؛ وجعل صلى الله عليه وسلم العلماء هم ورثة الأنبياء فقال: "العلماء ورثة الأنبياء"، وفي رواية: "العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة"، لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر؛ وكان أبو هريرة إذا أراد أن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هلموا إلى ميراث نبيكم"، أوكما قال رضي الله عنه.

فعلى العلماء أن يكرموا هذا العلم، وأن يصينوه، ويحفظوه عن الرذائل والصغائر، وعليهم ألا يدنسوه بحب الجاه والمال، ولا بكثرة الجدل والمراء والخصومات، فكل ذلك حظوظ دنيوية، وأهواء شيطانية، فعزة العلم بعزة أهله وحامليه؛ ولله در القاضي الجرجاني، حيث قال:

    ولو أن أهل العلم صانوه صانهم                 ولو عظموه في النفوس لعظما

    ولكن أذلوه جهاراً ودنســـوا                 محياه  بالأطماع حتى تجهمـا

العلماء كثير والحكماء قليل

العلماء الحقيقيون هم الذي يخشون الله ويتقونه، ويراقبونه في السر والعلن، ولهذا قصر الله خشيته ومخافته عليهم، فقال عز وجل: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "كفى بخشية الله تعالى علماً، وبالاغترار جهلاً"، وقال الربيع بن أنس: "من لم يخش الله تعالى فليس بعالم"، وقال مجاهـد: "إنما العالـم من خشي الله عز وجـل"، وقيل لإبراهيم بن سعد: من أفقه أهل المدينة؟ قال: "أتقاهم لربه عز وجل". وقالت امرأة للإمام الشافعي: أيها العالم. فقال لها: "العالم الذي يخشى الله".

فالعلم ليس بكثرة الرواية والحفظ، وذلاقة اللسان، وإنما بالعمل، والخشية، والأدب، والورع، وتزكية النفوس وتطهيرها.

لذا فقد قُسِّم العلماء إلى قسمين كبيرين، هما:

              1.   علماء آخرة ربانيون.

              2.   وعلماء سوء دنيويون.

فمن خشي الله واتقاه، وزكى نفسه، وأرضى مولاه، فهو عالم رباني؛ ومن جعل الدنيا همه وآثرها على الآخرة، كان من علماء السوء الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، أوربما بدنيا غيرهم.

لقد ذم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح علماء السوء، وبينوا صفتهم في أحاديث كثيرة، وآثار عديدة، إليك طرفاً منها:

   1.  عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتحتازوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار".

   2.  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة"، يعني ريحها.

   3.  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة"، وذكر منهم: "ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته ، وقرأت القرآن. قال: كذبت، ولكن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار).

   4.  وعن كعب الأحبار قال: إني أجد في بعض الكتب نعت قوم يتعلمون لغير العمل، ويتفقهون لغير العبادة، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون جلود الضأن، وقلوبهم أمر من الصبر، أوبي يفترون، وإياي يخادعون؟ فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم فيهم حيران".

   5.    وقال ابن المبارك: "تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".

  6.    وقال الحسن: "عقوبة العالم موت قلبه. قيل: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة".

  7.  وقال يحيى بن معاذ رحمه الله في وصف علم السوء: "يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية".

ولله در من قال:

 وراعي الشاة يحمي الذئب عنها                 فكيف إذا الرعـاة لها ذئـاب

وقال الآخر:

 يا معشر القراء يا ملح البلــد                ما يصلح الملحَ إذا الملحُ فسد ؟

والآثار في ذلك كثيرة جداً، ومن قبل قال الله: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون"، وقال: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، وقال: "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون".

مذاهب أهل العلم المقتدى بهم في الدخول على الحكام، ومخالطتهم، وأخذ جوائزهم

ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين:

أولاً : من أبى الدخول، ومنعه، وذمه، وعابه، ونصح الداخلين وهجرهم

 ويمثل هذا الفريق الأئمة:

 o  سفيان بن سعيد الثوري. 

 o  أبو حازم الأعرج.

 o  الفضيل بن عياض.

 o  عبد الله بن المبارك.

 o  أحمد بن حنبل.

 o  إبراهيم النخعي.

 o  الأعمش.

 o  داود الطائي.

 o  بشر بن الحارث الحافي.

 o  حسين الجعفي.

 o  أبو حنيفة.

 o  وكيع بن الجراح.

 o  محمد بن سيرين.

 o  ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي.

 o  ميمون بن مهران.

 o  علقمة بن قيس.

 o  ابن أبي خيثمة.

 o  سويد بن غفلة.

 o  أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني.

 o  وطاوس.

 o  عبد الله بن إدريس.

 o  ابن القاسم.

 o  ابن وهب.

أدلة المانعين للدخول على الحكام

استدل المانعون للدخول على الحكام بالآتي:

   1.  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن".

   2.  وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع فأبعده الله".

   3.  وعن أبي حذيفة رضي الله عنه قال: "إياكم ومواقف الفتن، قيل: وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول له ما ليس فيه".

   4.  وقال سفيان الثوري رحمه الله ليوسف بن أسباط: (إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مراءٍ، وإياك أن تخدع، ويقال لك: ترد مظلمة، وتدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس، اتخذه القراء سلماً".

أشد العلماء في ذلك

   1.  سفيان الثوري رحمه الله، كان من أشد العلماء غلظة في ذلك، ومع ذلك كان الحكام يسعون إليه ويرغبون في دخوله عليهم، وكان هو يتأبى عليهم، ويغلظ لهم القول، ولا يجاملهم ولا يداريهم أبداً، وقد حفظه الله بسبب صدقه أن يصيبه منهم مكروه؛ مع ذلك ما كان يرى الخروج عليهم أبداً.

قال الذهبي: وكان ينكر على الملوك ولا يرى الخروج أصلاً.

وإليك طرفاً من أخباره في ذلك:

o قال الذهبي: إن عبد الصمد عم المنصور دخل على سفيان يعوده، فحول وجهه إلى الحائط، ولم يردّ السلام، فقال عبد الصمد: يا سيف، أظن أبا عبد الله نائماً. قال: أحسب ذاك ـ أصلحك الله. فقال سفيان: لا تكذب، لست بنائم. فقال عبد الصمد: يا عبد الله! ألك حاجة؟ قال: نعم، ثلاث حوائج، لا تعود إليّ ثانية ، ولا تشهد جنازتي، ولا تترحم علي. فخرج عبد الصمد، وقام، فلما خرج قال: والله لقد هممت أن لا أخرج إلا ورأسه معي.

o   وقال يوسف بن أسباط : قال سفيان: زينوا العلم والحديث بأنفسكم، ولا تتزينوا به.

o وقال سفيان: لست أخاف إهانتهم، إنما أخاف كرامتهم، فلا أرى سيئتهم سيئة، لم أر للسلطان مثلاً إلا مثلاً ضرب على لسان الثعلب، قال: عرفت للكلب نيفاً وسبعين مكراً وحيلة، ليس منها مكر خيراً من أن لا أرى الكلب ولا يراني.

o وقال عبد الرزاق: بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة، وقال: إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه. فجاء النجارون، ونصبوا الخشب، ونودي عليه، فإذا رأسه في حجر فضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة، فقيل له: يا أبا عبد الله! اتق الله، ولا تشمت بنا الأعداء. فتقدم إلى الأستار ثم أخذه وقال: برئتُ منه إن دخلها أبو جعفر. قال: فمات أبو جعفر قبل أن يدخل مكة، فأخبر بذلك سفيان فلم يقل شيئاً.

o   قال الذهبي: هذه كرامة ثانية، سمعها الحاكم من أبي بكر محمد بن جعفر المزكِّي، سمعتُ السّراج عنه.

o وعندما كتب هارون الرشيد إلى سفيان يريد زيارته والدخول عليه، رد عليه سفيان بهذا الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد الميت، إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سلب حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن، أما بعد فإني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك، وقطعتُ ودك، وإنك قد جعلتني شاهداً عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه، وأنفذته بغير حكمه، ولم ترض بما فعلته وأنت ناءٍ عني، حتى كتبت إليه تشهدني على نفسك، فأما أنا فقد شهدت عليك، أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة غداً بين يدي الله الحكم العدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم ، والعاملون عليها في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن، وأهل العلم من العاملين، أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل، أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جواباً، وللبلاء جلباباً، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فاتق الله في نفسك، إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن، ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالماً، وللظالمين إماماً، يا هارون قعدت على السرير، ولبست الحرير، وأسبلت ستوراً دون بابك، وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويحدون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل..).

   2.  طاوس: قال ابن طاووس: كنت لا أزال أقول لأبي إنه ينبغي أن يخرج على هذا السلطان، وأن يفعل به؛ قال: فخرجنا حجاجاً، فنزلنا في بعض القرى، وفيها عامل ـ يعني لأمير اليمن ـ يقال له ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم ، فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فجاء ابن نجيح فقعد بين يدي طاووس، فسلم عليه فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه،  ثم عدل إلى الشق الآخر، فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه فمددت بيده وجعلت أسائله، وقلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك. فقال العامل: بلى، معرفته بي فعلت ما رأيت. قال: فمضى وهو ساكت لا يقول لي شيئاً، فلما دخلت المنزل قال: أي لكع، بينما أنت زعمت تريد أن تخرج عليهم بالسيف، لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك!).

وجاء ابن لسليمان بن عبد الملك، فجلس إلى جنب طاووس، فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه! قال: أردت أن يعلم أن لله عباداً يزهدون فيما في يديه.

   3.  ابن المبارك: وممن كان ينهى عن مداخلة الحكام ويذمها ويزجر عنها عبد الله بن المبارك، ولهذا لما ولي إسماعيل بن علية العشور، أوقال على الصدقات، كتب إلى عبد الله بن المبارك يستمده برجال من القراء يعينونه على ذلك، فكتب إليه عبد الله بن المبارك:

                 يا جاعل العلم له بازيـاً            يصطاد به أموال المساكين

                 احتلت للدنيا ولذاتهــا            بحيلة تذهب بالديــــن

                 فصرت مجنوناً به بعدما            كنتَ دواءاً  للمجـــانين

                 أين رواياتك فيما  مضى           عن ابن عون  وابن سيرين

                 و درسك العلم بآثــاره           و تركك أبواب السـلاطين

                 تقول أكرهتُ  فما حيلتي           زل  حمار العلم في الطين

    4. أحمد بن حنبل: من الذين كانوا لا يأتون الخلفاء والولاة والأمراء، ويمتنع من الكتابة إليهم، ومن أخذ جوائزهم، وينهى أصحابه عن ذلك، ويذم من يفعل ذلك، أحمد بن حنبل رحمه الله.

قال مهنا: سألت أحمد عن إبراهيم بن موسى الهروي، فقال: رجل وسخ. فقلت: ما قولك إنه وسخ؟ قال: من يتبع الولاة والقضاة فهو وسخ.

وقيل لأحمد: وكيع أحب إليك أم يحيى بن سعيد؟ فقال: وكيع. قيل: كيف فضلته على يحيى، ويحيى مكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت؟ قال: وكيع كان صديقاً لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، ويحيى بن معين كان صديقاً لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره يحيى.

        5.  إبراهيم النخعي: لقد جرح النخعي ابن أبي ليلى بقوله: كان صاحب أمراء.

ثانياً : من أجاز الدخول، والمخالطة، وأخذ الجوائز

ويمثل هذا الفريق من الأئمة المقتدى بهم:

               ¨  الزهري.

               ¨  الأوزاعي.

               ¨  ابن أبي ليلى.

               ¨  الشعبي.

               ¨  قبيصة بن ذؤيب.

               ¨  الحسن البصري.

               ¨  أبو الزناد.

               ¨  مالك.

               ¨  الشافعي.

أجاز هؤلاء وغيرهم كثير الدخول على الحكام، بشروط هي:

              1.    أن يكون محكماً لشرع الله.

              2.    أن يكون الحاكم عادلاً فاضلاً.

              3.    أن يكون الحاكم راغباً في دخول الأخيار عليه.

              4.    أن يستجيب لما يشار به عليه.

              5.    أن يأمر الداخل بالمعروف وينهى عن المنكر.

              6.    أن يشفع للضعفاء ويرفع حاجة من لا يستطيع رفعها .

              7.    أن يحول بين الحكام والمستشارين الفسقة الفجرة.

وأوّلوا الأحاديث والآثار السابقة التي تنهى وتحذر من الدخول على الحكام، أن المراد بذلك الحكام الظلمة الجائرين الفاسقين.

عن ابن عمر رضي الله عنه وقد رأى الناس يدخلون المسجد فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: من عند الأمير. قال: إن رأوا منكراً أنكروه، وإن رأوا معروفاً أمروا به؟ فقالوا: لا. قال: فما يصنعون؟ قالوا: يمدحونه، ويسبونه إذا خرجوا من عنده. فقال ابن عمر: إن كنا لنعد النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دون هذا".

فإذا توفرت هذه الشروط في الحاكم والعالم جاز الدخول، والأولى عدمه، وليعلم الداخل أنه على خطر عظيم، فإن اختل شرط منها حرم الدخول ومنعت المخالطة، فإن دخل مع ذلك فقد عظم الوزر، وتأكدت المخالطة في الشر.

فما دخل الداخلون من العلماء السابقين على الحكام إلا بعد أن توفرت هذه الشروط، ووثقوا في الإصلاح، وقاموا بالواجب خير قيام، وسنمثل لذلك، حيث لم يكن دخولهم لأغراض شخصية ولا لأهداف مادية.

قال حافظ المغرب ابن عبد البر رحمه الله معلقاً على الأحاديث والآثار التي تنهى وتحذر من الدخول على الحكام: (معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق، فأما العدل منهم الفاضل، فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح أفضل من أعمال البر، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلة العلماء مثل عروة بن الزبير وطبقته، وابن شهاب وطبقته، وقد كان ابن شهاب يدخل على السلطان عبد الملك وبنيه بعده، وكان ممن يدخل إلى السلطان الشعبي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن، وأبو الزناد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، رضي الله عنهم، وجماعة يطول ذكرهم. وإذا حضر العالم عند السلطان غباً فيما فيه الحاجة إليه، وقال خيراً، ونطق بعلم، كان حسناً، وكان في ذلك رضوان إلى يوم يلقاه، ولكن مجالس الفتنة فيها أغلب، والسلامة فيها ترك ما فيها).

 وقال ابن مفلح رحمه الله معلقاً على قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى أبواب السلطان افتتن": (وهو محمول على من أتاه لطلب الدنيا، لا سيما إن كان ظالماً جائراً، أوعلى من اعتاد ذلك ولزمه، فإنه يخاف عليه الافتتان والعجب، بدليل قوله في اللفظ الآخر: "ومن لزم السلطان افتتن".

وخالفهم في ذلك جماعة من السلف منهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم).

   نماذج لمناصحة العلماء لمن كانوا يداخلون من الحكام

سنذكر بعض النماذج للنصائح القيمة التي كان يسديها هؤلاء العلماء الذين كانوا يداخلون الحكام، لتعلم أن مداخلتهم لم تكن لأغراض دنيوية فانية، وإنما لمصالح دينية راجحة.

عطاء بن أبي رباح رحمه الله ينصح عبد الملك بن مروان رحمه الله

قال الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك، وهو جالس على سرير، وحوله الأشراف، وذلك بمكة في وقت  حجه في خلافته، فلما بصر به عبد الملك، قام إليه فسلم عليه، وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال: يا أبا محمد ما حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! اتق الله في حرم الله، وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك. فقال له: أفعل. ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك، وقال: يا أبا محمد! إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ قال: مالي إلى مخلوق حاجة. ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد).

قال عبد الملك ذلك وكان عطاء رحمه الله أسود، دميم الخلقة، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي، وقد نال مع ذلك كله السؤدد والشرف، بسبب العلم ، والورع ، والتقوى، والاستغناء عن الخلق، مما أجبر عبد الملك على مدحه والثناء عليه، على الرغم من عصبيته للعرب.

ابن أبي ذئب ينصح المهدي وأبا جعفر المنصور رحمهم الله

لما حج المهدي دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق أحد إلا قام، إلا ابن أبي ذئـب، فقال المسيب بن زهير: قم، هذا أمير المؤمنين. فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي: دعه، فلقد قامت كل شعرة في رأسي.

وقال ابن أبي ذئب للمنصور: قد هلك الناس، فلو أعنتهم من الفيء. فقال: ويلك، لولا ما سددتُ من الثغور لكنت تؤتى في منزلك، فتذبح. فقال ابن أبي ذئب: قد سد الثغور وأعطى الناس من هو خير منك، عمر ـ رضي الله عنه . فنكس المنصور رأسه والسيف بيد المسيب، ثم قال: هذا خير أهل الحجاز.

وقال أبو نعيم: حججت عام حج أبو جعفر ومعه ابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، فدعا ابن أبي ذئب فأقعده معه على دار الندوة، فقال له: ما تقول في الحسن بن زيد بن حسن ـ يعني أمير المدينة؟ فقال : إنه ليتحرى العدل. فقال: ما تقول فيّ ـ مرتين ـ؟ فقال: ورب هذه البنية، إنك لجائر. قال: فأخذ الربيع الحاجب بلحيته، فقال له أبو جعفر: كف يا ابن اللخناء. ثم أمر لابن أبي ذئب بثلاثمائة دينار.

ولهذا كان أحمد بن حنبل يفضل ابن أبي ذئب على مالك، لأنه كان قوالاً بالحق.

قلت: إذا كان الحكام أمثال أبي جعفر، والعلماء أمثال ابن أبي ذئب، فنعم الداخل ونعم المدخول عليه.

عمر بن حزم ينصح معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه

قال ابن سيرين: لما بعث معاوية ببيعة ابنه يزيد إلى المدينة كتب إليهم: إنه ليس عليكم أمير، فمن أحب أن يقدم عليّ فليفعل. قال: فخرج عمر وعمارة ابنا حزم، فدخل عليه عمرو فقال: يا معاوية! إنه قد كان لمن قبلك بنون، فلم يصنعوا كما صنعت، وإنما ابنك فتى من فتيان قريش. فنال منه، فبكى معاوية.. فقال: إنما أنت رجل قلت برأيك بالغاً ما بلغ، وإنما هو ابني وأبناؤهم، فابني أحب إلي من أبنائهم، ارفع حاجتك. فقال: مالي حاجة. فلقيه أخوه عمارة فأخبره الخبر، فقال عمارة: إنا لله، ألهذا جئنا نضرب أكبادها من المدينة؟! قال: فأته. قال: فإنه يكلمه، إذ جاء رسول معاوية إلى عمارة: ارفع حاجتك وحاجة أخيك. قال: ففعل، فقضاها.

الحسن البصري

كان الحسن رحمه الله يجيء إلى السلطان، ويصحبهم، ومع ذلك كان يعيب من يداخل السلطان ولا يناصحهم.

قال الذهبي رحمه الله: (خرج الحسن من عند ابن هبيرة، فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم هاهنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء، أما والله ما مجالستهم مجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد فرطحتم نعالكم، وشمرتم ثيابكم، وجززتم شعوركم، فضحتم القراء فضحكم الله، والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم ، أبعد الله من أبعد).

حيوية بن شريح رحمه الله

يأمر والي مصر بتسليح الجند قائلاً: "يا هذا، لا تخلين أولادنا من السلاح، فنحن بين قبطي لا ندري متى ينقض، وبين حبشي لا ندري متى يغشانا، وبين رومي لا ندري متى يحل بساحتنا، وبربري لا ندري متى يثور." 

مالك بن أنس رحمه الله ، يُنصح في دخوله على الحكام ، ويناصح الحكام

     ¨   قال الذهبي رحمه الله: (كان ـ العمري الزاهد ـ ينكر على مالك الإمام اجتماعه بالدولة، فكتب إليه بكتاب أغلظ له فيها، فرد عليه مالك رد إمام فقيه لم تستفزه غلظة العمري، وبمثل ذلك كتب يحيى بن يزيد النوفلي إلى مالك.

قال له العمري ولابن أبي ذئب: أنتم علماء تميلون إلى الدنيا، وتلبسون اللين، وتدّعون التقشف. فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد؛ فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير.

أما يحيى بن يزيد النوفلي فقد كتب لمالك: أما بعد فقد بلغني أنك تلبس الرقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطاء، وتجعل على بابك حجاباً، وقد جلست مجلس العلم، وضربت إليك آباط المطي، وارتحل إليك الناس، فاتخذوك إماماً، ورضوا بقولك، فاتق الله يا مالك، وعليك بالتواضع، كتبت إليك بالنصيحة مني كتاباً، ما اطلع عليه إلا الله، والسلام.

فكتب إليه مالك بن أنس: بسم الله الرحمن الرحيم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام عليك؛ أما بعد فقد وصل إليّ كتابك، فوقع مني موقع النصيحة من المشفق، أمتعك الله بالتقوى، وجزاك وخولك بالنصيحة خيراً، وأسأل الله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأما ما ذكرت من أني آكل الرقاق، وألبس الرقاق، وأجلس على الوطاء، فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى، وقد قال سبحانه: "قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق"، وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه، فلا تدعنا من كتابك، فإنا ليس ندعك من كتابنا والسلام.

     ¨  قيل لمالك في دخوله على السلطان فقال: ولكن أين المناصحة؟

قلت: كان دخول مالك على السلطان دخول عز وإجلال ومناصحة وإرشاد، وليس لتزلف ولا لدنيا وإليك الأدلة.

     ¨  روى الذهبي رحمه الله عن مالك أنه قال: والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه، إلا نزع الله هيبته من صدري.

     ¨  سأل هارون الرشيد مالكاً، وهو في منزله ومعه بنوه، أن يقرأ عليهم، قال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يقرأ عليّ. فقال: أخرج الناس حتى أقرأ أنا عليك. فقال: إذا منع العام لبعض الخاص لم ينتفع الخاص. وأمر معن بن عيسى فقرأ عليه.

     ¨  قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك، فأتاه، فقال لهارون وموسى: اسمعا منه. فبعثا إليه فلم يجبهما، فأعلما المهدي، فكلمه، فقال: يا أمير المؤمنين العلم يؤتى أهلُه. فقال: صدق مالك، صيرا إليه. فقال له مؤدبهما: اقرأ علينا. فقال: إن أهل المدينة يقرأون على العالم، كما يقرأ الصبيان على المعلم، فإذا أخطأوا أفتاهم.

هذه النماذج القليلة من المناصحة الغالية، والتذكرة المفيدة ، تبين أهمية دخول العلماء الأخيار على الحكام الفضلاء، إذا توفرت الشروط السابقة، أما الحكام الظلمة فلا يجوز الدخول عليهم إلا من آنس في نفسه الكفاءة في نصحهم، وأمرهم، ونهيهم، وردهم عن غيهم.

قال ابن الجوزي رحمه الله: (اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة أربعة أحوال، ملخصها:

الحال الأول : أن يدخل عليهم وهي شرها.

الحال الثاني : أن يدخل ليرفع ظلماً عن مسلم، فيجوز بشرط أن لا يكذب، ولا يثني، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولاً.

الحال الثالث : أن يدخل عليه السلطان زائراً، فجواب السلام لابد منه، أما القيام والإكرام فلا يحرم مقابلة له على إكرامه، فإنه بلزام العلم والدين مستحق للحمد، كما أنه بالظلم مستحق للذم.

الحال الرابع : أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه  والسلامة في ذلك.

ثم ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم، فلا يحب لقائهم، ولا يثني عليهم، ولا يستخبر عن أحوالهم، ولا يقترب إلى المتصلين بهم.

أما الجوائز، فكان المجانبون للدخول على السلطان لا يأخذونها لأنفسهم، ولا يرضون أن تعطى لأبنائهم وأقربائهم وتلاميذهم، كما كان يفعل أحمد، فقد لام أولاده وعمه على قبول جوائز المتوكل عندما تمنّع هو من قبولها وقبلها هؤلاء.

وكان أحمد رحمه الله يتأبى أن يتولى مجرد تقسيمها على الفقراء والأرامل، وقد فعل ذلك مرة واحدة، حتى تبرع بالكيس التي كانت فيه، وأبى أن يعطي ابن ابنه صالح منها شيء.

ومن أهل العلم من كان يسألها ويأخذها إن أرسلت إليه، والراجح والله أعلم أن من أعطيها من غير سؤال، ولا على حساب دين، فقبلها، فلا حرج عليه كما جاء في الحديث ـ إذا علم أنها أخذت من حلها ولم تغتصب من أحد، والسلامة في تركها، والله أعلم.

والخلاصة

قد تبين لنا مما سبق أن من دخل من أهل العلم على الحكام والفضلاء فقد دخل على بينة وهدى، ومن أبى فقد أخذ بالأحوط، وسلك سبيل السلامة، وقفل باباً عظيماً من أبواب الفتن والتشوف إلى الدنيا والانزلاق؛ والله نسأل أن يجزي الجميع خيراً، الذين امتنعوا والذين دخلوا، حيث أرسى الجميع قواعد ثابتة للدخول وعدمه، ونسأل الله أن يوفق علماء الأمة الحاضرين على السير على خطا السلف الصالحين، والاقتداء بهم في الدخول وعدمه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمتقين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطاهرين الطيبين، وعنا معهم يا أرحم الراحمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

[ رجوع ]




         

contact us                         advertise with us                                     copy right © 2003-2004   NORELISLAM.TK   

the site is developed and designed by

HOSAM DOIDAR